ساسي سالم الحاج

42

نقد الخطاب الاستشراقي

النزعات التوحيدية ، منبها منذ البداية إلى موقف علماء الغرب السّيّئ حول أثر المصادر اليهودية والنصرانية في التعاليم الإسلامية ، كما وصف دراستهم للقرآن بعدم التوفيق لأنها - حسب رأيه - جعلت هذه الدراسات « الغربية » من الاقتباس الأدبي عقيدة ونسيت أن الاقتباس الأدبي ليس إلّا جانبا من اللوحة . ومع ذلك فهو يرى أيضا أن القرآن يكشف للدّارس عن أحكام صريحة على معتقدات العرب الجاهليين وعلى بعض الأفكار التي تسرّبت إلى محمد والمسلمين ، كما توجد فيه مقاطع أخرى يمكن الاستنتاج منها معتقدات محمد ومعاصريه بشيء من الثقة « 1 » . ويرى « وات » أن المنهجية العلمية تتطلب معرفة معتقدات العرب في عصر محمد قبل الكلام عن مدى التأثيرات اليهودية والمسيحية في التعاليم الإسلامية . وهو رأي سديد لأن معظم من تحدث عن هذا الموضوع كان يقفز مباشرة إلى دراسة المؤثرات الخارجية في الدعوة الإسلامية قبل أن يتطرّق بعمق وتفصيل إلى المؤثرات الداخلية عليها . وقد نحا « وات » منحى من ينادي بدراسة المؤثرات الداخلية في الإسلام فأكّد أن أهل مكة كانوا يعرفون « اللّه » و « الرب » . واستنتج أنه ربما كان المكيّون يستخدمون كلمة « اللّه » في العصر السابق على محمد للدلالة على الآلهة الرئيسة في الكعبة كما كانت آلهة الطائف تعرف باسم « اللّات » . وإذا صحّ أن كلمة « اللّه » كانت تستخدم للدلالة على « الإله » الذي يعبده اليهود والمسيحيون فإن هذا يؤدي إلى الاختلاط ، وربما أن الفرضية القاضية بأنه حينما كان بعض المكيين يعبدون « اللّه » فإنه لم يخطر ببالهم أن معتقداتهم القديمة المشركة لا تتفق مع الاعتقاد « باللّه » ولهذا لم يرفضوها « 2 » . ولكن « وات » يعود إلى آراء من سبقه من المستشرقين فيزعم أن أصل التوحيد عند العرب يرجع بدون شك إلى التأثيرات المسيحية واليهودية نتيجة اتصالهم في مناسبات عديدة بالمسيحيين واليهود عن طريق الجوار والتجارة ووجود العبيد وبعض الأقليات الدينية بينهم في مكة والمدينة والطائف ، ويصل وات - بعد سرد طويل لكيفية اتصال العرب بهاتين الديانتين - إلى نتيجة مفادها أن أفكار هاتين الديانتين وصلت إلى

--> ( 1 ) المرجع السابق ، ص 56 . ( 2 ) المرجع السابق ، ص 57 .